التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين تصبح أمًا لطفل من ذوي الاحتياجات لأول مرة

 

كيف تصبح أمًا أو أبًا لطفل من ذوي الاحتياجات لأول مرة



لم يخبرنا أحد أن الحياة قد تتغير في لحظة واحدة.


نشأت في عائلة سعودية تقليدية مليئة بالحب، لكن مثل كثير من العائلات لم نكن نجيد التعبير عن مشاعرنا بالكلمات. كنا نشعر بالمحبة حولنا دون أن تُقال.


ثم تجرّنا الحياة نحو أقدارها… نتزوج، ننجب، ونظن أننا نفهم الطريق الذي نسير فيه.


إلى أن تأتي لحظة تغيّر كل شيء.


أتذكر تلك الليلة جيدًا، عندما أخبرتني الطبيبة أن ابني يعاني من تشوّه خلقي في الدماغ.

كان عمره سنة وشهرين فقط.


في تلك اللحظة شعرت أن العالم توقف.

خرجت من الغرفة وأنا أركض في أروقة المستشفى، كأنني نجمة سقطت من السماء وارتطمت بالأرض. لم أكن أعرف إلى أين أذهب، ولا ماذا أفعل… كل ما كنت أعرفه أن طفلي ليس بخير.


في صباح اليوم التالي بدأت حياة مختلفة تمامًا.


شعرت وكأنني أصبحت شخصًا آخر…

كأن الحياة وضعت على كتفي حقيبة مليئة بأجهزة معقدة لا أعرف كيف أستخدمها.


أجهزة اسمها:

الصبر…

الوعي…

القوة…

والأمل.


لم يكن هناك دليل استخدام، ولا أحد يخبرني من أين أبدأ.


بدأت أبحث في الإنترنت عن أي معلومة تساعدني. كنت أحاول فقط أن أفهم أين أنا الآن، وكيف يمكنني أن أستمر في الطريق.


وفي تلك الرحلة اكتشفت شيئًا مهمًا…


أن الطفل الذي جاء إلى حياتي لم يغيّر حياتي فقط، بل غيّرني أنا.


تعرفت على نسخة جديدة من نفسي.

نسخة أقوى، أكثر صبرًا، وأكثر قدرة على فهم الحياة.


كنت أضحك كثيرًا رغم الخوف والقلق.

ليس لأن الأمر بسيط… بل لأن الضحك كان وسيلتي للبقاء.


فأحيانًا لا نضحك لأننا سعداء،

بل لأننا نريد أن نستمر.


مع الوقت أدركت أن هذه التجربة لم تكن عقبة…

بل كانت رحلة تعلّم سريعة.


التجارب الصعبة في الحياة تشبه المسرّعات في الألعاب القديمة؛

قد تبدو مخيفة في البداية، لكن المرور فوقها يجعلنا نتقدم أسرع.


طفل من ذوي الاحتياجات لا يأتي ليأخذ منك الحياة…

بل ليعلمك كيف تراها بشكل أعمق.


قد تخاف في البداية.

وقد تشعر أنك ضائع.


لكن الحقيقة أنك لست ضائعًا…


أنت فقط بدأت رحلة جديدة،

رحلة ستكتشف فيها قدرات لم تكن تعلم أنك تملكها.


فكن مطمئنًا…


فالله لا يضع في طريقك تجربة كهذه إلا لأنه يعلم أنك قادر على خوضها.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مرحلة المراهقة لدى ذوي الاحتياجات… كيف نتعامل معها؟

عندما يكبر أطفالنا المختلفون كأم… لم أكن مستعدة لفكرة أن يكبر ابني، ويكبر معه اختلافه. كنت أعتقد أن ذلك الاختلاف سيجعله يتجاوز بعض المراحل الحساسة، أو يعيشها بطريقة مختلفة تمامًا. لكن المفاجأة الجميلة… أنهم يمرّون بجميع مراحل النمو مثلهم مثل الآخرين. طفل… ثم مراهق… ثم شاب… ثم رجل. وللفتاة أيضًا رحلتها الخاصة، حتى تصبح شابة ثم امرأة. ولهذا أكتب اليوم من واقع تجربة، لا من كتبٍ أو نصائح محفوظة. أكتب عن مرحلة المراهقة لدى أطفالنا المميزين… كيف تبدأ؟ وماذا يحتاجون منا خلالها؟ كيف  تبدأ هذه المرحلة؟ تبدأ بتغيرات نلاحظها فجأة: تغيرات جسدية. تقلبات في المزاج. عصبية أعلى من المعتاد. رغبة أوضح في الرفض والعناد. ومحاولات خفية لإثبات الذات. وفي كثير من الأحيان، لا يعرف ابنك أو ابنتك كيف يعبّر عمّا يشعر به داخله، فيظهر ذلك على شكل غضب، أو عناد، أو انسحاب. ماذا  يحتاج أبناؤنا في هذه المرحلة؟ يحتاجون أولًا إلى الاحتواء لكن بطريقة تحترم أنهم ينتقلون إلى مرحلة أكبر، ويحاولون اكتشاف الشخصية التي تمنحهم ذلك الشعور بالاحترام والاستقلال. يحتاجون منّا طولة البال، فالعناد أحيانًا يكون وسيلتهم الوحيد...

هل أحببتها… فعلًا؟

تحدثتُ  معها كثيرًا في نفس الموضوع، وكانت توميء برأسها وكأنها تستجيب لكل ما أقوله دون مقاومة، حتى ظننتُ أني نجحت في تصويب أفكارها. فيرتفع طرف ذقني… مشيرًا إلى تلك الثقة التي تتصاعد بداخلي. تأكدتُ أني أوصدتُ كل تلك الأبواب المزعجة، والنوافذ المطلة على أفكار لا تتفق مع تصويبي لها. وأخرجتُ أنفاسي… تعبيرًا عن كمية الجهد الذي بذلته، وكمية الراحة التي أحتاج أن أحصل عليها. أتحدث إليها من بعيد… رغم قربها مني، أرفع صوتي حتى تسمعني بوضوح، ومع ذلك… أشعر بغربتها، ببعدها. يلفتني دائمًا طريقتها في تحليل الأمور، واستخراج المتعة من كل تلك المواقف المتعبة التي مرّت بها. تفردها… هو سبب اهتمامي بها، وتعلقي بالبقاء معها، وحرصي على مساندتها دائمًا. فالعالم يفيض بالمتشابهين، حاملين القوالب نفسها، وكأنهم مسيّرون… بلا عقل، ولا قلب، ولا رغبات تفيض بها أرواحهم. نعم… أحبها، بل أعشقها، أميزها عن غيرها، وأعلم ماذا يفعل غيابها بي. أدعمها في توجهاتها، وفي رغبتها بالعطاء دون مقابل محسوس، وأشعر بامتلائها بذلك الشعور الجميل، بعد كل مرة تعطي فيها… دون أن تنتظر. لكنني أخشى عليها، وأرحمها، وأبادر في تدليلها ورعايتها، ...

حين يصبح الصمت حباً

  كثيرة الكلام بطبعي، والضحك جزءٌ من ملامح وجهي، والحياة لعبة… إذا كانت مع من نحب، فستعيش مغامراتٍ لن تنتهي. لا تخرج الكلمات من فمي فقط، ولكنها تخرج من قلبي وروحي وكياني. أستشعر وقع تلك الكلمة، وأصنع منها انحناءاتٍ تعكس حقيقتها بحركاتي. لكن حين صادفتُ من لا يتقبّل هذا الامتداد الجميل فيّ، ومن لا يستحق ما يُبذل له من فكرٍ ودفءٍ واهتمام، ومن تؤذيه تلك الكلمة الصادقة بنيّتها… شعرتُ بتأنيب ضمير. يجب أن يتوقف كل هذا الاندفاع. بدأتُ أقف في المنتصف… لا أنا التي انطلقتُ كما أنا، ولا أنا التي انسحبتُ تمامًا. ولهذا بدت الأيام بطيئة، خفيفةً لا ثقل لها، حتى أني لا أسمع وقع أقدامها في حياتي. باءت كل محاولاتي بالفشل، حتى قررت أن أخوض هذه المرة مغامرتي لوحدي، لأكتشفني، وأستشعر نقطة الاتزان التي ضاعت مني بداخلي. كانت الفوضى تعم المكان… أهداف كثيرة مبعثرة في كل مكان، ورغبات لم تتحقق، وأمنيات لم تصل إلى أرض الواقع. وبدون سابق تفكير، قررت ذلك القرار: بالتخلي عن كل ما هو موجود بداخلي، وكل ما ساهم في تلك الفوضى. وقررت أن كل فكرة يجب أن تنتهي بطريقةٍ ما ترضيني، حتى أتمكن من الانتقال لفكرة ممتدة لها… وتض...